المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : يا أمةً ضحكت من جهلها الأمم


simon jerjy
06-10-2007, 11:02 PM
يا أمةً ضحكت من جهلها الأمم
محمد علي الأتاسي

في ظل حالة الانحطاط الفكري والثقافي التي يعيشها العالم العربي، لم يعد يمر شهر من دون أن تأتينا من مصر أخبار عن قرارات صادرة من مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر تطالب بحظر كتب فكرية ومنع تداولها بتهمة مخالفة الدين، ناهيك بالدعاوى التي لا تنفك تُرفع أمام المحاكم المدنية في حق هذا المثقف أو ذاك، متهمةً أياه بالكفر. هذا بالإضافة إلى سلسلة غير منتهية من فتاوى دينية، يقارب بعضها حد المهزلة، لا ينفك يصدرها رجال دين، يتبوأ بعض منهم أعلى مراتب الهرم الديني في مصر. في هذا السياق، كان الوسط الثقافي والإعلامي المصري أخيراً على موعد مع فتويين غريبتين وفاضحتين، الأولى حول جواز إرضاع الكبير، والثانية حول جواز التبرك بشرب بول الرسول محمد. لن ننساق هنا الى تناول هذا الموضوع، وهو غاية في الأهمية، وإلى التركيز على الجانب الفضائحي الذي ساد معظم التعامل الإعلامي مع هاتين الفتويين، بل سنحاول أن نبيّن لماذا وصلنا إلى هنا، وكيف يمكن في بداية الألفية الثالثة أن يخرج علينا رجال دين بفتاوى من هذا النوع. فالقضية أكثر عمقاً من اجتهادات خاطئة وقع فيها بعض علماء الدين، كونها تحيل على خلل بنيوي عميق في منظومتنا الفقهية وفي طريقة تعاملنا مع تراثنا الديني والثقافي.

إرضاع الكبير
بدأت القصة قبل شهر تقريباً عندما احتج البعض على تدريس كتاب في قسم الحديث في كلية أصول الدين في جامعة الأزهر، عنوانه "دفع الشبهات عن السنّة النبوية"، وضعه الدكتور عبد المهدي عبد القادر ويبيّن فيه أن الإرضاع يحلل الخلوة بين رجل وإمرأة غريبة عنه في مكاتب العمل المغلقة. وعندما اشتدّت الحملة قام الدكتور رئيس قسم الحديث وعلومه في الجامعة عزت عطية بالرد على المنتقدين كاشفاً أن حديث "إرضاع الكبير" هو من السنّة ووارد في صحيحي مسلم والبخاري، وبناء عليه فإنه يمكن المرأة العاملة أن تقوم بإرضاع زميلها في العمل منعاً للخلوة المحرمة، إذا كان وجودهما في غرفة مغلقة. واكد عطية الى موقع "العربية.نت" أن إرضاع الكبير يكون خمس رضعات وهو يبيح الخلوة في العمل ويمكن المرأة أن تخلع الحجاب أو تكشف شعرها أمام من أرضعته، مطالباً بتوثيق هذا الإرضاع كتابة ورسميا وان يُكتب في العقد أن فلانة أرضعت فلانا. وكرر الدكتور عزت عطية فتواه لجريدة "الوطن اليوم" الناطقة باسم الحزب الحاكم، مبيناً إن إرضاع الكبير "يضع حلا لمشكلة الخلوة لأن حماية الأعراض من المقاصد الأصيلة للشريعة ويُبنى عليها كثير من الأحكام". ثم كرر ذلك في لقاء مع قناة "النيل" الثقافية التابعة للدولة.
بعيداً عن الجانب الهزلي من الموضوع، فإن رئيس قسم الحديث في كلية أصول الدين استند في فتواه إلى حديث "إرضاع الكبير" الوارد في صحيحي البخاري ومسلم، وقصة الحديث تخص شخصا اسمه أبو حذيفة كان له مولى إسمه سالم تبنّاه أبو حذيفة وكان يدخل على زوجته بصورة طبيعية وكأنها أمه، لكن بعدما بلغ ما يبلغ الرجال وعقل ما يعقلون، وبعدما ألغى الإسلام التبني، أحست الزوجة بالتحرج تجاه زوجها فذهبت لعند الرسول تسأله فقال لها "أرضعيه تحرمي عليه".
وفي معرض رده على منتقديه من رجال الدين الذين أكدوا أن هذا الحديث خاص بسالم مولى أبي حذيفة وأن ليس في الإسلام اليوم من تبنٍّ، وإنه تالياً حكم منسوخ، فإن الدكتور عزت عطية أخرج من جعبته أحاديث أخرى تفيد بأن السيدة عائشة أخذت بحديث "إرضاع الكبير" فكانت تأمر أختها أم كلثوم وبنات أخيها أن يرضعن من أحبت أن يدخل عليها من الرجال، في حين أبت باقي نساء الرسول أن يأخذن بحديث "رضاعة الكبير"، وأعتبرن أن الحديث خاص بسالم مولى أبي حذيفة.
كاد النقاش أن يصل إلى البرلمان، كما جرت العادة في مصر، مع مثل هذه الموضوعات المتفجرة، إلا أن الأزهر تدارك ذلك فتمّ وقف الدكتور عزت عطية عن العمل وهُدّد بالإحالة على مجلس تأديبي في الجامعة، ما أدى في النهاية إلى تقديمه إعتذاراً عن فتواه التي اعتبرها اجتهاداً خاطئاً، مقراً بأن حديث "إرضاع الكبير" يخص واقعة خاصة.

التبرك بـ"بول" الرسول
لم تكد قضية حديث "إرضاع الكبير" تهدأ، حتى تفجرت قضية أخرى من النوع نفسه، وإن كانت أشد تعبيراً عن الدرك الذي وصل إليه بعض رموز المؤسسة الدينية في مصر. ففي مواجهة ظاهرة إنفلاش الفتاوى من كل حدب وصوب، على أيدي رجال دين غير مؤهلين تحتضنهم شاشات التلفزة ومواقع الأنترنت، صدر عن مجمع البحوث الإسلامية، وهو أعلى هيئة دينية في الأزهر، قرار يحصر الفتاوى الدينية بمفتي الجمهورية الدكتور علي جمعة. لكن، ما هي إلا أسابيع قليلة حتى فوجىء المصريون بكتاب جديد للمفتي عنوانه "الدين والحياة: الفتاوى العصرية اليومية" يقع في ٢٥٠ صفحة من القطع المتوسط ويشتمل على ١٥٠٠ فتوى، فيها الكثير من القصص الغريبة، من مثل إدعاء المفتي في واحدة من شطحاته الصوفية رؤيته النبي محمد في المنام وفي اليقظة داخلاً عليه مرتدياً عباءة، وبرهاناً على ذلك أورد الحديث الآتي: "من رآني في المنام فسيراني في اليقظة". لكن الفتوى التي أثارت الكثير من الجدل فكانت تلك التي يجيب فيها عن سؤال حول مدى ثبوت تبرك أحد الصحابة، وهي خادمة الرسول أم أيمن، بـ"بول" الرسول بعدما شربته خطأً: نعم، أم أيمن شربت بول الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال لها الرسول "هذه بطن لا تجرجر في النار"، ويضيف المفتي مفسراً: "لأن فيها جزءا من سيدنا رسول الله، ومن أحب عرف ومن عرف اغترف، ويكون التبرك بلعابه الشريف أو بعرقه أو بشعره أو بوله أو دمه، فكل من عرف حب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأنف كما لا تأنف الأم من غائط ابنها، فما بالك بسيدنا رسول الله الذي نحبه أكثر من حبنا لآبائنا وأبنائنا وأزواجنا، ومن أنف أو تأنف من رسول الله فليراجع إيمانه".
القضية هنا لم تكن بالسهلة، فصاحب الفتوى ليس نكرة من الناس بل هو مفتي الجمهورية المصرية، والحديث الذي استند إليه وارد في صحيحي البخاري ومسلم. لكن في المقابل، فإن المسلمين يعتبرون النبي بشراً مثل بقية الناس. حاول المفتي في بداية الأزمة الثبوت على فتواه بشتى الوسائل فصرح الى صحيفة "المصري اليوم" بالآتي: "كل جسد الرسول طاهر في ظاهره وباطنه بما في ذلك عرقه ودمه وفضلاته، بل إن عرقه أطيب من ريح المسك"، ومع تزايد الانتقادات دافع المفتي عن نفسه فقال في مقابلة مع جريدة "الأسبوع" الآتي: "المسلم البسيط يفهم ان الرسول قد هيأه الله للوحي ولرحلة الإسراء والمعراج وللقيام بواجبات لا يمكن ان تجتمع بهذه الكيفية لأحد من الناس وهيأه جسديا لذلك وهو ما ورد في السنة النبوية. ومفهوم لدى المسلمين ان الرسول صلى الله عليه وسلم نزل إليه ملكان فشقّا عن صدره في مضارب بني ساعدة وملآه حكمة وإيمانا... فصار جسده مختلفا شيئا ما وبما لا يخرجه عن البشرية". وفي المقابلة نفسها يبين المفتي البنية الحقيقية لتفكيره عندما يدعو بوضوح إلى استقالة العقل والقبول والتسليم من دون تفكير بما يسميه الأحكام الشرعية، وفي هذا يقول: "الاحكام الشرعية مصدرها الشرع وليس الهوى أو التفكير فما الذي يقول لنا ان الغنم إذا ماتت فهي نجسة لا تؤكل وأن السمكة رغم أنها ميتة ليست نجسة؟ ومن الذي يقول ان بول مأكول اللحم طاهر وبول الإنسان والأسد نجس. كل هذا يوضحه الشرع الشريف ولذلك فهم المسلمون هذا عبر القرون وعرفوا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يستقذر منه شيء".
تحرك الأزهر مجدداً في وجه هذه الفتاوى وأعلن مجمع البحوث الإسلامية بعد اجتماع عاصف في رئاسة الإمام الأكبر الدكتور محمد سيد طنطاوى شيخ الأزهر وفي حضور عضو المجمع المفتي علي جمعة، رفضه لكل الفتاوى غير الصحيحة التى تثير القلق، ومنها فتوى "إرضاع الكبير والتبرك ببول الرسول صلى الله عليه وسلم". وطالب المجمع بسحب كتاب مفتي الجمهورية علي جمعة من السوق وذلك منعا لإثارة البلبلة، وهو الأمر الذي خضع له مفتي الجمهورية في النهاية.

إعمال العقل
المفجع، لكن الطريف، في معظم الردود التي صاغها علماء الدين ورجالات الأزهر على قضيتي "إرضاع الكبير" و"جواز التبرك ببول الرسول"، أنها تجنبت بشتى الوسائل أن تذهب إلى لب المشكلة التي تولد هذا النوع من الفتاوى اللاعقلانية والمرتبطة أساساً بقصور المنظومة الفقهية الموروثة، واكتفت هذه الردود بالقول إن الخطأ في هذا المجال ناتج من التعميم وفساد الاستدلال. أما ما شغل الردود وأثار حميتها، مع الأسف، فكان أساساً التحذير من خطر المفاسد والفواحش التي ستنزل بالمجتمع جراء فتوى "إرضاع الكبير"، وكذلك خطر فساد العقيدة حول بشرية الرسول من شبهات الشرك بسبب فتوى "التبرك بالبول".
صحيح أن وزير الأوقاف المصري محمود حمدي زقزوق حذّر من فوضى الفتاوى وعدم انسجامها مع العقل والفطرة الإنسانية طالباً من الدعاة مراعاة الدين الصحيح والابتعاد عما يشكك الناس في دينهم، وان يحكموا عقولهم في كل ما ينقلونه إلى الناس، لكن كلامه ظل في العموميات ولم يتجرأ أن يضع إصبعه في جرح استقالة العقل الإسلامي وانحياز المنظومة الفقهية السائدة بالكامل إلى مبدأ أولوية النقل على العقل، حتى لو أدى ذلك إلى مثل هذه الكوارث الفقهية التي لا ننفك نعاني منها بين الفينة والأخرى.
لم يسمح النبي محمد خلال حياته، بأن يكتب ويحفظ عنه سوى القرآن، لكن توسع الدولة الإسلامية واشتداد الصراع السياسي على السلطة وظهور الحاجة العملية إلى توسيع دائرة الفقه، دفعت مجتمعه إلى محاولة جمع أقوال الرسول العربي وسننه. عملياً، فإنه منذ عصر التدوين في القرن الثاني الهجري، والذي بدأت فيه عملية جمع الأحاديث النبوية وتدوينها، حدث انزياح تدريجي وممنهج، تم فيه، شيئاً فشيئاً، تقديس الأحاديث واعتبارها وحياً من عند الله، حالها كحال القرآن، مع الفارق أن الرسول صاغها، على عكس القرآن، بلغته ومفرداته. هكذا بتنا أمام مجلدات ضخمة من الصحاح والمتون والمساند تحوي عشرات الألوف من الأحاديث التي تنسب إلى الرسول محمد والتي دونت بعده في فترات سياسية واجتماعية صاخبة تمتد بين القرنيين الثاني والثالث الهجري بالنسبة الى السنّة، والرابع الهجري بالنسبة الى تدوين مجاميع الشيعة. وبالتدريج تم التعامل مع هذه الأحاديث كالتعامل مع القرآن وطُبّقت عليها العلوم القرآنية من حفظ ونسخ وتفسير. لا بل أن بعض الرواة تقولوا على الله في ما يعرف بالأحاديث القدسية.
وعمل الفقه الإسلامي الموروث، من خلال حرصه على تأكيد صحة الأحاديث المنسوبة إلى النبي والتي رواها عنه الصحابة ومن بعدهم التابعون والرواة، على تنزيه معشر الصحابة والتسليم بعدالتهم ونزاهتهم من دون أي إعمال للعقل، حتى أنه لا تطبَّق عليهم قواعد "الجرح والتعديل" التي يطبّقها الفقه السني عموماً على بقية الرواة. كذلك عمد الفقه الشيعي إلى الآليات نفسها من خلال تنزيه آل البيت وتأكيد مبدأ الوصية وعصمة الأئمة وتفضيلهم على مجموع المؤمنين.
في الجانب الآخر جرى توسيع دائرة الصحابة لتشمل كل من رأى النبي وعاصره، حتى لو رآه لبرهة أو رآه وهو مسجى. الغريب هنا أن عبد الله بن عباس الذي روى عن الرسول ما يزيد على 1500 حديث، لم يتجاوز عمره عند وفاة الرسول 13 عامأً. أما أبو هريرة الذي روى عن الرسول ألوف الأحاديث فلم يمض إلى جانب الرسول سوى عام و9 أشهر، كما أن الخليفة عمر بن الخطاب منعه من رواية الأحاديث خلال فترة حكمه ولم يعد إليها إلا بعد وفاة عمر.
وإمعاناً في غلق دائرة العقل والنقد تجاه هذه المدونات الضخمة، تم وضع أحاديث تمنع نقد الصحابة (كل الصحابة) وترفض التشكيك في صدقية نقلهم للأحاديث، تحت حجة تحريم "سب الصحابة". الطريف أن كتب الحديث نفسها، تروي لنا كيف كان البعض من الصحابة يشكك في البعض الآخر!
وواقع الحال، أنه في ما عدا الأحاديث المتواترة الفعلية أو العملية من مثل أن نصلي كما صلى النبي وأن نحج كما حج، وقلة قليلة من الأحاديث هي الأحاديث المتواترة اللفظية، فإن كل الأحاديث النبوية ليست مقدسة وعلينا أن نعمل عقلنا كما قلبنا بها، وأن نأخذ منها الحكمة والموعظة الحسنة ونترك كل ما يخالف المنطق والعقل والحس السليم، وأن نطور أدواتنا الفقهية ونستفيد مما قدمته العلوم الإنسانية الحديثة في فهم تراثنا وتنقيته من الكثير من الشوائب. وإلا فإننا سنظل نقع في ما وقع فيه مفتي الديار المصرية، وسيظل المتنبي، شاعر العربية الأول، الذي سبقنا بألف عام، يهزأ منا ببيته الشديد المعاصرة في أيامنا هذه مع الآسف: أغاية الدين أن تحفّوا شواربكم يا أمة ضحكت من جهلها الأمم!

منقول عن "المُلحق الثقافي" لجريدة "النهار" اللبنانيّة، العدد 796، الأحد 10 حزيران 2007، الصفحتان 12 و 13.