simon jerjy
09-26-2007, 06:56 PM
17رئيساً للبنان في مهب المساومات الإقليمية والدولية
المفوضون السامون فرضوا 3 موارنة وأرثوذكسيين وانجيلياً وترشح سني رغماً عن احدهم
هالة حمصي
17 رئيسا للجمهورية جلسوا على كرسي الرئاسة، بدءا من الانتداب الفرنسي. الحقائق التاريخية تكاد تجمع على امر واحد. القرار في اختيار الرئيس او انتخابه تتداخل فيه العوامل والظروف الداخلية والخارجية في معظم العهود. تعددت الايدي التي تدخلت، او التي كان لها تأثير على مر السنين، منذ ولادة لبنان الكبير في ايلول 1920، لفرض هذا الرئيس او ذاك، او توجيه اختيار النواب في اتجاه هذا الاسم او ذاك. ثلاث مراحل رئيسية ترسم وجه لبنان. لكل منها، ايديها المحلية والخارجية، ولاسيما منها الفرنسية والمصرية والاميركية والروسية والسورية، والتي قلما تركت لبنان وشأنه.
وقع لبنان مباشرة نحو 14 عاما تحت القبضة الفرنسية في مرحلة الانتداب (1920-1943). ستة رؤساء "عينهم" او فرضهم "بالانتخاب" المفوضون السامون الذين توالوا على حكم لبنان. اليد الفرنسية حسمت الخيارات والاسماء والوجوه، وكل شيء ادارته كما شاءت، على كل المستويات السياسية والاقتصادية والمعيشية والاجتماعية، بتدخل مباشر وغير مباشر، من اكبر العناوين الى اصغر التفاصيل.
حكاية الرئاسة عام 1920 بدأت باعلان المفوض السامي الجنرال هنري غورو، القائد العسكري ذي الذراع المبتورة، ولادة لبنان الكبير امام قصر الصنوبر. وكان الطامحون اليها كثيرون، ولم يحالف الحظ الا قلة منهم.
رئيس... قبل الانتخاب
الرئيس الاول للجمهورية اختاره المفوض السامي الفرنسي، حتى قبل ان يتمكن النواب من التفكير في الاقتراع له او لغيره. ومع ان المادة 49 من الدستور الذي وضعته عام 1926 لجنة برلمانية شكلها المجلس التأسيسي آنذاك، كانت واضحة في القول ان "رئيس الجمهورية ينتخب بالاقتراع السري بغالبية الثلثين من مجلس النواب في الدورة الاولى، ويكتفى بالغالبية المطلقة في دورات الاقتراع التي تلي..."، فقد كان اسم الرئيس حدد واعلن، حتى قبل انتخابه وفق الدستور. وكان شارل دباس، اول رئيس ارتاح اليه الانتداب ورشحه.
وبحسب ما نقل عن تلك المرحلة، اقام نقولا بسترس عشاء في قصره، وكان يجلس الى احدى الموائد شارل دباس وايوب تابت وبترو طراد واميل اده وحبيب باشا السعد. ووقف المفوض السامي هنري دو جوفنيل امام هذه المائدة قائلا ان رئيس الجمهورية موجود بينكم. ثم اشار باصبعه الى دباس.
كان دباس تولّى مناصب عدة منذ بداية الانتداب. فهو ارثوذكسي بيروتي، تخرج من جامعة القديس يوسف في بيروت، واتم دراسة الحقوق في باريس. وهناك تعرف الى زوجته الفرنسية مرسيل برونغار التي كانت ممرضة في احد المستشفيات الفرنسية، حيث كان يعالج من التهاب في اللوزتين.
كذلك، تولى ادارة العدلية عندما كان عضوا في اللجنة الادارية. وبرز ايضا في جلسة عقدها المجلس التمثيلي في 12 كانون الثاني 1925 لانتخاب حاكم للبنان وكان اثنان يتنافسان على المنصب: رئيس مجلس النواب اميل اده ضد رغبة المفوض السامي الجنرال موريس ساراي، ومرشح المفوض ليون كيلا الحاكم الفرنسي لمنطقة العلويين. في ذلك اليوم، وقف دباس، مدير العدلية ومفوض الحكومة لدى المجلس، وروزو ممثل المفوض السامي، معلنين ان الاصول ليست مرعية في الجلسة، بعدما علت الضجة على خلفية اصرار بعضهم، وخصوصا خصوم اده على الكلام، ويقال انهم فعلوا ذلك بتوجيه من المفوض السامي، وانسحبا من الجلسة، مما ادى الى تعطيلها. واصدر ساراي على الاثر قرارا بتعيين كيلا حاكما... كذلك، كان دباس ممن شاركوا في وضع الدستور، كعضو عينته المفوضية الفرنسية العليا مع مستشار قانوني فرنسي، لمؤازرة لجنة وضع الدستور التي شكلها المجلس التمثيلي.
لماذا اختار الفرنسيون دباس؟ بشهادة الرئيس الراحل بشارة الخوري، احد ابرز وجوه تلك المرحلة، ان "التوجيه الرسمي اشار الى دباس تقديرا للمزايا التي يتحلى بها، ولصفات اخرى، منها علمه وخبرته واعتداله ونزاهته وعدم انتسابه الى حزب او غرض، يضاف الى ذلك كله ان زوجته فرنسية".
اذا، القرار الفرنسي اتخذ بانتخاب دباس. ولم يجرؤ احد على الاعتراض علنا، علما ان البطريرك الماروني الياس الحويك كان يؤثر ترشيح ماروني، لأن "منصب الرئاسة الاولى هو للطائفة المارونية الاكثر عددا في لبنان". وفي الرابعة بعد ظهر 6 ايار 1926، التأم مجلسا الشيوخ والنواب وانتخبا دباس بالاجماع رئيسا للجمهورية لثلاث سنوات، وفق ما جاء في الدستور. واقسم اول رئيس للجمهورية يمين الاخلاص للامة اللبنانية امام رئيس مجلس الشيوخ الشيخ محمد الجسر.
تجديد وتعيين
لم تخفَ وطأة اليد الفرنسية مع الوقت، بل اكدت اكثر فاكثر امساكها بالقرار السياسي في لبنان. فبعدما كانت الولاية الثانية للرئيس دباس (جدد له ثانية مجلس النواب عام 1929) اشرفت على نهايتها، مارس الفرنسيون مجددا سلطتهم لادارة الامور كما يناسبهم، في مواجهة بعض المحاولات السياسية للافلات من قبضة الانتداب او تطويعه: الصراع الداخلي المستعر بين اميل اده وبشارة الخوري على الرئاسة، تقديم رئيس مجلس النواب الشيخ محمد الجسر (سني) ترشيحه للرئاسة واصراره عليه، "بعدما همس اده في اذنه ليرشح نفسه، ووعده بدعمه، لادراكه ان لا امل له في الرئاسة"، على ما يروي الوزير والنائب السابق يوسف سالم. وازاء ذلك، اتخذ المفوض السامي تدبيرا حاسما: جدد لدباس سنة، بعدما علق الدستور وحل مجلس النواب.
ظلت سياسة التعيين سائدة، مع تبدل المفوضين السامين. وبدوره، عيّن المفوض الجديد الكونت داميان دو مارتيل رئيسا جديدا "انتقاليا" عام 1934، لسنة واحدة، بعدما قدم دباس استقالته اواخر عام 1933. ووقع اختياره على حبيب باشا السعد الماروني، السياسي القديم، ابن الـ 75 عاما، والقائل: "الافضل ان تصادق الفرنسيين وتأخذ منهم للبلاد ما تستطيع، من ان تعاديهم ولا تأخذ شيئا". وحدد له المفوض مهمته سلفا: "لا يقوم باي عمل حكومي، ويتولى الاشراف على الانتخابات النيابية". وهذا ما كان. ثم جدد له عام 1935 لسنة اخرى.
رغبة فرنسية... بفارق صوت
يحكى ان الرغبة الفرنسية هي التي اوصلت اميل اده الى الرئاسة، ورجحت له اصوات النواب، بفارق لا يذكر. في 20 كانون الثاني 1936، يوم انتهاء ولاية السعد، انعقد مجلس النواب، بدعوة من دو مارتيل، لانتخاب رئيس للجمهورية، بعدما كان اصدر المفوض السامي الفرنسي قرارا سابقا في كانون الاول 1935 بانتخاب رئيس لثلاث سنوات غير قابلة للتجديد.
بين المتنافسين اللدودين المعهودين، اميل اده (الكتلة الوطنية) وبشارة الخوري (الكتلة الدستورية)، كان الفرنسيون يميلون الى الاول، وعملوا على تغيير موقف عدد من النواب الموالين للثاني. ويقول الرئيس الخوري ان "سلطات الانتداب اخذت تعمل لتجريد الكتلة الدستورية من الاكثرية النيابية، واخذ المفوض السامي ومستشاروه، وخصوصا بتشكوف، بتنفيذ هذه الخطة". وكانت نتيجة التدخلات الفرنسية، انقلاب عدد من النواب على الخوري، لمصلحة اده، ومحاولة استمالة آخرين ايضا الى معسكره.
وحتى قبل الاقتراع، امكن التهكن بان اده سينال 13 صوتا، في مقابل 12 للخوري. ويروي الخوري "اننا سعينا الى التنازل عن اصواتنا لمصلحة ايوب ثابت، فصوته مضافا الى اصواتنا الـ 12 يشكل الاكثرية، فيصل هو الى الرئاسة. وكادت ان تنجح هذه المبادرة لو لم يصل خبرها الى دومارتيل، فهاج وماج واعلن في ميدان سباق الخيل ان حياده يقتصر على مباراة بين مرشحين هما اده والخوري. اما اذا برز مرشح ثالث، فيتدخل حتما لمنعه من الوصول. وبالطبع لم يغير هذا موقف ثابت لمصلحة الخوري، لان دو مارتيل كان وعده بامانة سر الدولة".
وسرعان ما ترجم الانقلاب النيابي في صندوق الاقتراع، فنال اده 13 صوتا في مقابل 12 للخوري. وبعد اعادة الانتخاب ثانية، نال الاول 14 في مقابل 11 للآخر. ويشهد عدد من السياسيين ان الصوت الذي حقق الفوز لاده (ماروني) كان لكميل شمعون الذي كان محسوبا على الدستوريين و"نقل البندقية من كتف الى اخرى"، على ما يأخذ عليه بعضهم. ومجددا تحققت الرغبة الفرنسية. وفي 30 كانون الثاني 1936، تسلم اده مهماته، وعين ثابت امين سر دولة.
الناعم اللطيف
جاء الرئيس الرابع في وضع مأزوم للغاية، فيما كانت طبول الحرب تقرع بقوة في العالم كله عام 1939. ومثل بعض سلفه، عُيّن القاضي الفرد نقاش (ماروني) رئيسا للجمهورية في 10 نيسان 1941، بقرار من المفوض السامي الجنرال هنري – فرنان دنتز، بعدما قدّم اده استقالته مع امين سر الدولة عبدالله بيهم في 4 نيسان، "بضغط من دنتز"، استنادا الى بعض المؤرخين، وذلك على خلفية اوضاع معيشية متفاقمة، اثر تضييق الانكليز الخناق الاقتصادي على لبنان، "فأقفلت اسواق احتجاجا على جمود الحكومة"، و"تظاهرات انطلقت في الشوارع احتجاجا على السياسة الاقتصادية التضييقية للمفوض السامي الجديد" الذي عينّته حكومة فيشي، والموالي لالمانيا وايطاليا.
ويروي الرئيس بشارة الخوري ان "تعيين دنتز لنقاش رئيسا كان بتوجيه من الآباء اليسوعيين وحبيب طراد الوجيه البيروتي". ويصف الرئيس الراحل شارل حلو الرئيس المعين بأنه "قاض ناعم لطيف كان يستطيع بمجرد حضوره ان يهدىء كل النزاعات، من دون ان يحلها تماما، وان يخمد كل الضغائن والاحقاد".
مسألة طبع
بعد دخول الجيوش الحليفة المنتصرة بيروت في 15 تموز 1941 ورحيل الجنرال دنتز، أُبقي نقاش رئيسا للجمهورية بقرار تعيين جديد اتخذه الجنرال جورج كاترو، المندوب العام الجديد بالنيابة عن الجنرال شارل ديغول. لكن نقاش اقيل بقرار آخر لكاترو في 18 آذار 1943، على خلفية خلاف بينهما على عودة الحياة الدستورية، واصرار نقاش على صلاحية الرئيس في دعوة الهيئات الانتخابية بعد اعلان استقلال لبنان. وتطور الامر الى ازمة دستورية عرفت بـ"ازمة آذار"، وحسمها كاترو بتعيين رئيس آخر موقت، هو ايوب ثابت (انجيلي)، لمرحلة انتقالية، تمهيدا لاجراء انتخابات نيابية تعقبها انتخابات الرئاسة.
كان ثابت في السبعين، ويقول عنه بعضهم انه "مستقيم، لكنه قليل المرونة السياسية". ويصفه الرئيس بشارة الخوري بانه كان "مزيجا من صفات طيبة ونقصان سياسي تغذيه انانية بالغة، فيها بعض الاباء وكبر النفس". وقال عنه الرئيس حلو "بانه رجل الخلق والاستقامة المعروف بسوء طباعه، اكثر مما هو معروف بالخدمات التي أداها للدولة طوال عشرات الاعوام".
غير ان "عهد" ثابت لم يطل، فاستقال او اقيل اثر خلاف حاد نشب على خلفية اصراره على اشراك المغتربين في عملية الاقتراع، وتوزيع المقاعد في المجلس بين المسيحيين والمسلمين. وكالعادة، عيّن الفرنسيون رئيسا آخر، بترو طراد (ارثوذكسي) في 21 تموز 1943، والذي امكن معه الاتفاق على اجراء الانتخابات الرئاسية بعد نحو شهرين، عقب اعادة توزيع المقاعد النيابية.
ويعزو بعضهم الفضل الى طباع طراد وعلاقاته الجيدة. "فهو كان محاميا لامعا ومرجعا قانونيا ومستشارا لدى غالبية الاسر اللبنانية الكبيرة المقيمة في شارع سرسق"، على ما كتب الرئيس حلو في مذكراته، مشيرا الى انه "كان متزن الطبع، مما اتاح له اعادة اي مشكلة صعبة في نظر سواه الى حجمها الطبيعي".
في 5 آب 1943، اصدر طراد مرسوما اشتراعيا دعا بموجبه الهيئات الناخبة الى الاقتراع على دورتين، الاولى في 29 آب، والثانية الاحد 5 ايلول، على ان يلتئم مجلس النواب الجديد في 21 ايلول لانتخاب رئيس له وهيئة مكتب، ثم رئيس للجمهورية. وكان لبنان يقف على عتبة الاستقلال.
• المراجع: "حقائق لبنانية" لبشارة الخوري، "50 سنة مع الناس" ليوسف سالم، "التاريخ" لجواد بولس، "حياة في ذكريات" لشارل حلو، "رؤساء لبنان كيف وصلوا؟" لاحمد زين الدين، "لبنان في مراحل تاريخه الموجزة" للدكتور وهيب ابي فاضل.
منقول عن جريدة "النهار" اللبنانيّة، الأربعاء 26 أيلول 2007 - السنة 74 - العدد 23135، صفحة "تحقيق".
المفوضون السامون فرضوا 3 موارنة وأرثوذكسيين وانجيلياً وترشح سني رغماً عن احدهم
هالة حمصي
17 رئيسا للجمهورية جلسوا على كرسي الرئاسة، بدءا من الانتداب الفرنسي. الحقائق التاريخية تكاد تجمع على امر واحد. القرار في اختيار الرئيس او انتخابه تتداخل فيه العوامل والظروف الداخلية والخارجية في معظم العهود. تعددت الايدي التي تدخلت، او التي كان لها تأثير على مر السنين، منذ ولادة لبنان الكبير في ايلول 1920، لفرض هذا الرئيس او ذاك، او توجيه اختيار النواب في اتجاه هذا الاسم او ذاك. ثلاث مراحل رئيسية ترسم وجه لبنان. لكل منها، ايديها المحلية والخارجية، ولاسيما منها الفرنسية والمصرية والاميركية والروسية والسورية، والتي قلما تركت لبنان وشأنه.
وقع لبنان مباشرة نحو 14 عاما تحت القبضة الفرنسية في مرحلة الانتداب (1920-1943). ستة رؤساء "عينهم" او فرضهم "بالانتخاب" المفوضون السامون الذين توالوا على حكم لبنان. اليد الفرنسية حسمت الخيارات والاسماء والوجوه، وكل شيء ادارته كما شاءت، على كل المستويات السياسية والاقتصادية والمعيشية والاجتماعية، بتدخل مباشر وغير مباشر، من اكبر العناوين الى اصغر التفاصيل.
حكاية الرئاسة عام 1920 بدأت باعلان المفوض السامي الجنرال هنري غورو، القائد العسكري ذي الذراع المبتورة، ولادة لبنان الكبير امام قصر الصنوبر. وكان الطامحون اليها كثيرون، ولم يحالف الحظ الا قلة منهم.
رئيس... قبل الانتخاب
الرئيس الاول للجمهورية اختاره المفوض السامي الفرنسي، حتى قبل ان يتمكن النواب من التفكير في الاقتراع له او لغيره. ومع ان المادة 49 من الدستور الذي وضعته عام 1926 لجنة برلمانية شكلها المجلس التأسيسي آنذاك، كانت واضحة في القول ان "رئيس الجمهورية ينتخب بالاقتراع السري بغالبية الثلثين من مجلس النواب في الدورة الاولى، ويكتفى بالغالبية المطلقة في دورات الاقتراع التي تلي..."، فقد كان اسم الرئيس حدد واعلن، حتى قبل انتخابه وفق الدستور. وكان شارل دباس، اول رئيس ارتاح اليه الانتداب ورشحه.
وبحسب ما نقل عن تلك المرحلة، اقام نقولا بسترس عشاء في قصره، وكان يجلس الى احدى الموائد شارل دباس وايوب تابت وبترو طراد واميل اده وحبيب باشا السعد. ووقف المفوض السامي هنري دو جوفنيل امام هذه المائدة قائلا ان رئيس الجمهورية موجود بينكم. ثم اشار باصبعه الى دباس.
كان دباس تولّى مناصب عدة منذ بداية الانتداب. فهو ارثوذكسي بيروتي، تخرج من جامعة القديس يوسف في بيروت، واتم دراسة الحقوق في باريس. وهناك تعرف الى زوجته الفرنسية مرسيل برونغار التي كانت ممرضة في احد المستشفيات الفرنسية، حيث كان يعالج من التهاب في اللوزتين.
كذلك، تولى ادارة العدلية عندما كان عضوا في اللجنة الادارية. وبرز ايضا في جلسة عقدها المجلس التمثيلي في 12 كانون الثاني 1925 لانتخاب حاكم للبنان وكان اثنان يتنافسان على المنصب: رئيس مجلس النواب اميل اده ضد رغبة المفوض السامي الجنرال موريس ساراي، ومرشح المفوض ليون كيلا الحاكم الفرنسي لمنطقة العلويين. في ذلك اليوم، وقف دباس، مدير العدلية ومفوض الحكومة لدى المجلس، وروزو ممثل المفوض السامي، معلنين ان الاصول ليست مرعية في الجلسة، بعدما علت الضجة على خلفية اصرار بعضهم، وخصوصا خصوم اده على الكلام، ويقال انهم فعلوا ذلك بتوجيه من المفوض السامي، وانسحبا من الجلسة، مما ادى الى تعطيلها. واصدر ساراي على الاثر قرارا بتعيين كيلا حاكما... كذلك، كان دباس ممن شاركوا في وضع الدستور، كعضو عينته المفوضية الفرنسية العليا مع مستشار قانوني فرنسي، لمؤازرة لجنة وضع الدستور التي شكلها المجلس التمثيلي.
لماذا اختار الفرنسيون دباس؟ بشهادة الرئيس الراحل بشارة الخوري، احد ابرز وجوه تلك المرحلة، ان "التوجيه الرسمي اشار الى دباس تقديرا للمزايا التي يتحلى بها، ولصفات اخرى، منها علمه وخبرته واعتداله ونزاهته وعدم انتسابه الى حزب او غرض، يضاف الى ذلك كله ان زوجته فرنسية".
اذا، القرار الفرنسي اتخذ بانتخاب دباس. ولم يجرؤ احد على الاعتراض علنا، علما ان البطريرك الماروني الياس الحويك كان يؤثر ترشيح ماروني، لأن "منصب الرئاسة الاولى هو للطائفة المارونية الاكثر عددا في لبنان". وفي الرابعة بعد ظهر 6 ايار 1926، التأم مجلسا الشيوخ والنواب وانتخبا دباس بالاجماع رئيسا للجمهورية لثلاث سنوات، وفق ما جاء في الدستور. واقسم اول رئيس للجمهورية يمين الاخلاص للامة اللبنانية امام رئيس مجلس الشيوخ الشيخ محمد الجسر.
تجديد وتعيين
لم تخفَ وطأة اليد الفرنسية مع الوقت، بل اكدت اكثر فاكثر امساكها بالقرار السياسي في لبنان. فبعدما كانت الولاية الثانية للرئيس دباس (جدد له ثانية مجلس النواب عام 1929) اشرفت على نهايتها، مارس الفرنسيون مجددا سلطتهم لادارة الامور كما يناسبهم، في مواجهة بعض المحاولات السياسية للافلات من قبضة الانتداب او تطويعه: الصراع الداخلي المستعر بين اميل اده وبشارة الخوري على الرئاسة، تقديم رئيس مجلس النواب الشيخ محمد الجسر (سني) ترشيحه للرئاسة واصراره عليه، "بعدما همس اده في اذنه ليرشح نفسه، ووعده بدعمه، لادراكه ان لا امل له في الرئاسة"، على ما يروي الوزير والنائب السابق يوسف سالم. وازاء ذلك، اتخذ المفوض السامي تدبيرا حاسما: جدد لدباس سنة، بعدما علق الدستور وحل مجلس النواب.
ظلت سياسة التعيين سائدة، مع تبدل المفوضين السامين. وبدوره، عيّن المفوض الجديد الكونت داميان دو مارتيل رئيسا جديدا "انتقاليا" عام 1934، لسنة واحدة، بعدما قدم دباس استقالته اواخر عام 1933. ووقع اختياره على حبيب باشا السعد الماروني، السياسي القديم، ابن الـ 75 عاما، والقائل: "الافضل ان تصادق الفرنسيين وتأخذ منهم للبلاد ما تستطيع، من ان تعاديهم ولا تأخذ شيئا". وحدد له المفوض مهمته سلفا: "لا يقوم باي عمل حكومي، ويتولى الاشراف على الانتخابات النيابية". وهذا ما كان. ثم جدد له عام 1935 لسنة اخرى.
رغبة فرنسية... بفارق صوت
يحكى ان الرغبة الفرنسية هي التي اوصلت اميل اده الى الرئاسة، ورجحت له اصوات النواب، بفارق لا يذكر. في 20 كانون الثاني 1936، يوم انتهاء ولاية السعد، انعقد مجلس النواب، بدعوة من دو مارتيل، لانتخاب رئيس للجمهورية، بعدما كان اصدر المفوض السامي الفرنسي قرارا سابقا في كانون الاول 1935 بانتخاب رئيس لثلاث سنوات غير قابلة للتجديد.
بين المتنافسين اللدودين المعهودين، اميل اده (الكتلة الوطنية) وبشارة الخوري (الكتلة الدستورية)، كان الفرنسيون يميلون الى الاول، وعملوا على تغيير موقف عدد من النواب الموالين للثاني. ويقول الرئيس الخوري ان "سلطات الانتداب اخذت تعمل لتجريد الكتلة الدستورية من الاكثرية النيابية، واخذ المفوض السامي ومستشاروه، وخصوصا بتشكوف، بتنفيذ هذه الخطة". وكانت نتيجة التدخلات الفرنسية، انقلاب عدد من النواب على الخوري، لمصلحة اده، ومحاولة استمالة آخرين ايضا الى معسكره.
وحتى قبل الاقتراع، امكن التهكن بان اده سينال 13 صوتا، في مقابل 12 للخوري. ويروي الخوري "اننا سعينا الى التنازل عن اصواتنا لمصلحة ايوب ثابت، فصوته مضافا الى اصواتنا الـ 12 يشكل الاكثرية، فيصل هو الى الرئاسة. وكادت ان تنجح هذه المبادرة لو لم يصل خبرها الى دومارتيل، فهاج وماج واعلن في ميدان سباق الخيل ان حياده يقتصر على مباراة بين مرشحين هما اده والخوري. اما اذا برز مرشح ثالث، فيتدخل حتما لمنعه من الوصول. وبالطبع لم يغير هذا موقف ثابت لمصلحة الخوري، لان دو مارتيل كان وعده بامانة سر الدولة".
وسرعان ما ترجم الانقلاب النيابي في صندوق الاقتراع، فنال اده 13 صوتا في مقابل 12 للخوري. وبعد اعادة الانتخاب ثانية، نال الاول 14 في مقابل 11 للآخر. ويشهد عدد من السياسيين ان الصوت الذي حقق الفوز لاده (ماروني) كان لكميل شمعون الذي كان محسوبا على الدستوريين و"نقل البندقية من كتف الى اخرى"، على ما يأخذ عليه بعضهم. ومجددا تحققت الرغبة الفرنسية. وفي 30 كانون الثاني 1936، تسلم اده مهماته، وعين ثابت امين سر دولة.
الناعم اللطيف
جاء الرئيس الرابع في وضع مأزوم للغاية، فيما كانت طبول الحرب تقرع بقوة في العالم كله عام 1939. ومثل بعض سلفه، عُيّن القاضي الفرد نقاش (ماروني) رئيسا للجمهورية في 10 نيسان 1941، بقرار من المفوض السامي الجنرال هنري – فرنان دنتز، بعدما قدّم اده استقالته مع امين سر الدولة عبدالله بيهم في 4 نيسان، "بضغط من دنتز"، استنادا الى بعض المؤرخين، وذلك على خلفية اوضاع معيشية متفاقمة، اثر تضييق الانكليز الخناق الاقتصادي على لبنان، "فأقفلت اسواق احتجاجا على جمود الحكومة"، و"تظاهرات انطلقت في الشوارع احتجاجا على السياسة الاقتصادية التضييقية للمفوض السامي الجديد" الذي عينّته حكومة فيشي، والموالي لالمانيا وايطاليا.
ويروي الرئيس بشارة الخوري ان "تعيين دنتز لنقاش رئيسا كان بتوجيه من الآباء اليسوعيين وحبيب طراد الوجيه البيروتي". ويصف الرئيس الراحل شارل حلو الرئيس المعين بأنه "قاض ناعم لطيف كان يستطيع بمجرد حضوره ان يهدىء كل النزاعات، من دون ان يحلها تماما، وان يخمد كل الضغائن والاحقاد".
مسألة طبع
بعد دخول الجيوش الحليفة المنتصرة بيروت في 15 تموز 1941 ورحيل الجنرال دنتز، أُبقي نقاش رئيسا للجمهورية بقرار تعيين جديد اتخذه الجنرال جورج كاترو، المندوب العام الجديد بالنيابة عن الجنرال شارل ديغول. لكن نقاش اقيل بقرار آخر لكاترو في 18 آذار 1943، على خلفية خلاف بينهما على عودة الحياة الدستورية، واصرار نقاش على صلاحية الرئيس في دعوة الهيئات الانتخابية بعد اعلان استقلال لبنان. وتطور الامر الى ازمة دستورية عرفت بـ"ازمة آذار"، وحسمها كاترو بتعيين رئيس آخر موقت، هو ايوب ثابت (انجيلي)، لمرحلة انتقالية، تمهيدا لاجراء انتخابات نيابية تعقبها انتخابات الرئاسة.
كان ثابت في السبعين، ويقول عنه بعضهم انه "مستقيم، لكنه قليل المرونة السياسية". ويصفه الرئيس بشارة الخوري بانه كان "مزيجا من صفات طيبة ونقصان سياسي تغذيه انانية بالغة، فيها بعض الاباء وكبر النفس". وقال عنه الرئيس حلو "بانه رجل الخلق والاستقامة المعروف بسوء طباعه، اكثر مما هو معروف بالخدمات التي أداها للدولة طوال عشرات الاعوام".
غير ان "عهد" ثابت لم يطل، فاستقال او اقيل اثر خلاف حاد نشب على خلفية اصراره على اشراك المغتربين في عملية الاقتراع، وتوزيع المقاعد في المجلس بين المسيحيين والمسلمين. وكالعادة، عيّن الفرنسيون رئيسا آخر، بترو طراد (ارثوذكسي) في 21 تموز 1943، والذي امكن معه الاتفاق على اجراء الانتخابات الرئاسية بعد نحو شهرين، عقب اعادة توزيع المقاعد النيابية.
ويعزو بعضهم الفضل الى طباع طراد وعلاقاته الجيدة. "فهو كان محاميا لامعا ومرجعا قانونيا ومستشارا لدى غالبية الاسر اللبنانية الكبيرة المقيمة في شارع سرسق"، على ما كتب الرئيس حلو في مذكراته، مشيرا الى انه "كان متزن الطبع، مما اتاح له اعادة اي مشكلة صعبة في نظر سواه الى حجمها الطبيعي".
في 5 آب 1943، اصدر طراد مرسوما اشتراعيا دعا بموجبه الهيئات الناخبة الى الاقتراع على دورتين، الاولى في 29 آب، والثانية الاحد 5 ايلول، على ان يلتئم مجلس النواب الجديد في 21 ايلول لانتخاب رئيس له وهيئة مكتب، ثم رئيس للجمهورية. وكان لبنان يقف على عتبة الاستقلال.
• المراجع: "حقائق لبنانية" لبشارة الخوري، "50 سنة مع الناس" ليوسف سالم، "التاريخ" لجواد بولس، "حياة في ذكريات" لشارل حلو، "رؤساء لبنان كيف وصلوا؟" لاحمد زين الدين، "لبنان في مراحل تاريخه الموجزة" للدكتور وهيب ابي فاضل.
منقول عن جريدة "النهار" اللبنانيّة، الأربعاء 26 أيلول 2007 - السنة 74 - العدد 23135، صفحة "تحقيق".